محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
671
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
النطق أوّلا ، ثمّ الأعمال والصناعات ثانيا ، ثمّ سائر العلوم ثالثا ؛ وليس كلّ إنسان يستعدّ لكلّ علم ، وإنّما العلم بمقادير العقول واستعداداتها للأنبياء - عليهم السلام - كما قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على مقادير عقولهم . » 17 وسرّ آخر : أنّ عقول الناس عقول بالاستعداد والقوّة ، وعقول الأنبياء - عليهم السلام - عقول بالكمال والفعل ، ومخرج العقول بالقوّة من القوّة إلى الفعل يجب أن يكون عقلا بالفعل ؛ فلا العقل بالقوّة يخرج نفسه من القوّة إلى الفعل ، ولا عقل آخر مثله بالقوّة يخرجه ؛ فلا بدّ إذا من عقل بالفعل كالبيض لا يصير طيرا إلّا بطير ، ولا النطفة تصير إنسانا إلّا بإنسان ، ولقد توافقت الحكماء كلّهم على ذلك إلّا أنّهم قالوا : مخرج العقول الجزئية الهيولانية عقل بالفعل هو الواهب للصور وهو العقل الفعّال . غير أنّهم أشاروا إلى السبب البعيد وأغفلوا السبب القريب ؛ فإنّ البيض لا يخرج إلى الفعل طيرا إلّا بإفاضة الصورة عليه من واهب الصور ، لكن بشرط وجود سبب قريب وهو طير مثله ؛ فالسبب القريب يعدّ المادّة لقبول الصورة من الواهب ، كذلك الوالدان في الفطرة والوالدان في الدين والشريعة ؛ فلذلك أحال العلم إلى تعليمه : وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ؛ فلا يخرج عقولكم بذواتها من القوّة إلى الفعل إلّا بمخرج هو بالفعل . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 152 ] فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) 18 من قال : إنّ « كما » متعلّق بما بعده قال : « الفاء » في فَاذْكُرُونِي جوابه ؛ ونظم الكلام متّصل ؛ ومن لاحظ المعنى قال : لمّا كان إرسال الرسول - عليه السلام « 1 » - لتذكير الناس بالفطرة الأولى وتنبيههم عن نوم الغفلة قال : أذكركم بالنبيّ المرسل ، فاذكروني بالمعرفة واللسان والطاعة أذكركم بالتوفيق والتأييد ( 273 آ ) والعصمة ، واشكروا لي إذ أنعمت عليكم بالنبوّة ولا تكفرون بالإنكار والمعاندة .
--> ( 1 ) . س : - السلام .